عبد الباقي مفتاح

113

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

والربوبية ختمها بقوله : ( فتذهب بالتعليق في النار والسبك ) فالذهاب تغيير للشكل : وأعظم العناصر حكما في تغيير الأشكال هي النار الساحقة وقد احتوى هذا الفص على 27 بيتا شعريا . فهو أكثر الأبواب شعرا لأن أقرب أنواع الكلام إلى مرتبة الشكل هو الشعر لتشكله في أوزان وبحور ولعلاقته بالخيال وأشكاله العجيبة . وفي أواخر الفص ، كعادته في كل باب ، مهد لفص العرش الإسماعيلي المحيط الموالي بذكره لوسع قلب أبي يزيد للعرش وما حواه وبذكره لرفعة العلو في قوله : " وهذا الفرقان أرفع فرقان " وبذكره وسع الملك في قوله : ( فإن كان عبدا كان بالحق واسعا . . . يطالبه من حضرة الملك والملك ) والملك من معاني العرش . سؤال : صرح الشيخ في كتابه ( الإسفار ) أن إسماعيل عليه السلام هو الذبيح ، ولذلك أشار له في الباب 14 من الفتوحات باسم المنحور بينما أشار لاسم إسحاق بالماحق . فكيف نجد العكس في الفصوص حيث لا يتكلم عن الذبيح إلا في فص إسحاق ؟ الجواب - واللّه أعلم - : لم يقل الشيخ في فص إسحاق إن الذبيح هو إسحاق . وكلما ذكر الذبيح استعمل كلمة ( ولده ) لأن المهم هنا ليس تعيين اسم الذبيح وإنما بيان أسرار الرؤيا وعالم المثال . وكلامه عن الذبيح إسماعيل - وإن لم يصرح باسمه هنا - في فص إسحاق مناسب لمقام الرؤيا التي تطلب التعبير كما قاله الشيخ في هذا الفص ( ومعنى التعبير الجواز من صورة ما رآه إلى أمر آخر ) . واختلاط شكلي إسماعيل وإسحاق في خيال من أرادوا تعيين الذبيح منهما يمثل مشكلا أو إشكالية مناسبة لمرتبة هذا الفص الإسحاقي أي مرتبة الشكل الكلي حيث تتشكل نفس الحقيقة بأشكال وصور مختلفة . والكلام عن صورة الذبيح إسماعيل في فص إسحاق يضاهي وجود صورة العرش من فص إسماعيل في مرتبة الشكل الكلي من فص إسحاق . ومن الاتفاق أنّ الجواز الجائز بين الفصين مناسب لاسم برج منزلتيهما الفلكيتين وهو الجوزاء أو التوأمان . ومن حيث حقيقة التوحيد والجمع الذاتي الإبراهيمي يمكن القول بأن إرادة الذبح جرت في الظاهر أولا على إسماعيل عليه السلام ثم سرت ثانيا لأخيه إسحاق عليه السلام لاشتراكهما في الإرث الإبراهيمي من التسليم والانقياد والصبر والرضا . فلتحققهما بجمعهما الواحد في سر أبيهما كان كلّ واحد منهما يرى نفسه ويجدها عين الآخر كوحدة الاسمين الممدين لهما - أي الحكيم والمحيط - في الاسم الظاهر الممد لأبيهما . ولسرهما الواحد اجتمعا في البشارة الإلهية في قوله تعالى عن أبيهما في الآية 101 من سورة الصافات : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ أي إسماعيل عليه السلام . ثم في الآية 112 من نفس السورة : وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ .